سيد ابراهيم الموسوي القزويني
57
ضوابط الأصول
فانّهم ينقلون التواريخ والقصص من الطوامير والأساطير القديمة اعتمادا على ظواهرها وذلك كاشف عن عدم اعتنائهم باحتمال وجود القرينة الحالية ونحوه ويمكن الايراد على الآية الكريمة بان الامر الوارد عقيب يقين الخطر أو ظنه أو توهّمه انما يرفع الخطر فقط كما أن النّهى الواقع عقيب الامر لا يرفع الّا الوجوب وامر اسجدوا هنا واقع عقيب الخطر إذ السّجود لغير اللّه تعالى كان حراما وقبيحا بالذات في الامر ورد بعد الحظر فلا يستفاد منه إلا رفعه لكن لما كان رفع الخطر اعمّ من الوجوب والندب والإباحة وكان المقصود هنا الوجوب بالاتفاق علمنا أن اللّفظ كان مقترنا بقرينة تفيد الوجوب وتلك القرينة رافعة للقرينة الصّارفة عن المعنى الحقيقي إن كانت الصّيغة موضوعة للوجوب كالقرينة الموضوعة المنصوبة لرفع صرف الشهرة عن الحقيقة في المجاز المشهور رافعة لها مع تعيينها أحد المعنيين الحقيقيين إن كانت مشتركة لفظا بين الوجوب وبين الندب ومفهمة المجازات الأخر لو كانت حقيقة في الندب رافعة لها مع تعيينها أحد إن كانت الصّيغة مشتركة معنوية فمع الاحتمالات المذكورة للقرينة المقطوعة سقط الدلالة ولقابل الجواب من ذلك بمنع ورود الامر عقيب الخطر امّا أولا فلان الاجماع على حرمة السّجود لغير اللّه تعالى على الملائكة مم وامّا ثانيا فسلّمنا ولكن كون الامر الواقع وعقيب الخطر لمحض رفعه انما هو إذا تعلّق الامر بنفس المخطور وهاهنا المخطور هو السّجود لغير اللّه تعالى والمأمور به هو السجود للّه تعالى وآدم على نبيّنا وعليه السّلام انّما هو جهة السجود كالكعبة لا انه المسجود له حقيقة فان قلت ترك إبليس السجود كاشف عن كون آدم ع هو المسجود له حقيقة لا غير قلنا استكباره انما كان لأجل جعله جهة السجود دونه عليه اللّعنة ويمكن الايراد على الآية الكريمة بان حمل كلمة الاستفهام على الانكار مجاز وهو فرع تعذر الحقيقة وهي ممكنة هنا لان الاستفهام اعمّ من أن يكون لأجل نفسه أو لأجل غيره وهو حقيقة فيهما والممتنع هنا هو الاوّل فيحمل على الثّانى ودليل كونه حقيقة فيهما مع عدم صحة السّلب عن المستفهم لأجل غيره وكذا كلّ ما كان مصدر الباب الاستفعال حقيقة في طلب الفعل ولو لأجل غيره كما في قولك استكتبته وقد استكتبت لغيره فلا يصحّ السّلب وكذا قولك استفهمت زيد العمرو وهكذا فبعد ما أمكن الحمل على الحقيقة وهو طلب الفهم للغير حملنا الآية الشريفة عليه فيسقط الدلالة لجواز كون الامر للندب ويكون مقصوده تعالى اقرار إبليس على أن سبب ترك السّجود انّما كان هو الاستكبار ليعاقب عليه وان لم يكن السّجدة واجبة وفيه ان غاية ما ثبت من ذلك كون مادّة الاستفهام حقيقة في الاعمّ من طلب الفهم للغير وامّا كلمة ما الواقعة في الآية فهي موضوعة لطلب الفهم للنفس للتبادر ولا ملازم بين مادّة الاستفهام وصيغته من حيث الوضع ولا يمكن اجراء عدم صحّة السّلب في الحروف حتّى يعلم كونها حقيقة في الاعمّ من الطلب لفهم الغير فان قلت إذا ثبت كون المادة للاعمّ ثبت في الصيغة أيضا لقول النحويين واتفاقهم على أن كلمة ما للاستفهام من دون تقييد منهم على « 1 » فرد خاص منه قلنا إن هذا الاطلاق في كلامهم منصرف إلى الفرد الشائع لمادّة الاستفهام وهو الطلب الفهم للنّفس لا مط فلا عموم في كلامهم سلمنا كون وضعها للاعمّ كمادتها لكن لا دليل على وجوب تقديم كلّ حقيقة على المجاز فان الاستفهام الانكاري وإن كان مجازا لكنه أرجح من الحمل على الطلب لفهم الغير لمرجوحيّة بالنسبة اليه فتأمل ويمكن الخدشة في الآية الشّريفة بمنع كون الاستفهام الانكاري أقرب المجازات بل الأقرب هو الاستفهام التقريرى لكونه مشاركا مع المعنى الحقيقي في جنس الاستفهام وان خالفه في الفصل باعتباره لأجل غيره لا لأجل نفسه بخلاف الانكاري فإنه لا يشارك في الجنس أيضا فلا يتم الدّلالة لجواز كون الغرض من السّؤال هو الاقرار على الاستكبار الذي هو سبب ترك السجود فيعاقب عليه وإن كان السجود مستحبا وفيه ان الانكارى أقرب عرفا والتقريرى اعتبارا فيقدّم الاوّل ويمكن الايراد على الآية أيضا بان الثابت منها ان المادّة للوجوب والكلام انما هو في الصّيغة فان قلت إن المراد بالامر هو اسجدوا في قوله تعالى وإذ قلنا للملائكة اسجدوا قلنا إن ذلك فرع كون قال موضوعا لحكاية الشّخص اللّفظ المقول حتّى يكون قوله تعالى قلنا حاكيا للفظ اسجدوا والصادر حين الخطاب ليتم المط وهو مم كيف وقد اختلفوا في ذلك في بحث نقل الحديث بالمعنى فقيل بان قال موضوع لحكاية شخص اللفظ وقيل لمطلق الحكاية وإن كان المحكى هو الإشارة بان يفهم أحد الأشياء بالإشارة فيصدق أنه قال كذا أو الالهام أو اللّفظ الآخر وإذا احتمل كون قال موضوعا للاعمّ فيمكن ان يقال إن اللّه افهم الملائكة بالوحي والالهام فحكى ذلك للنبي ص بقوله وإذ قلنا معبرا عن ذلك الامر اللّبى بكلمة اسجدوا فلم يتحقّق الامر باسجد حتى يتم الدلالة وفيه أنه قال موضوع لحكاية شخص اللّفظ المنقول كما قاله المش فمع الاشتباه يحمل على نقل شخص اللّفظ فيحمل الآية على ذلك سلّمنا ان الوضع للاعمّ لكن كلامنا في لفظ اسجدوا الواقع في الآية وإن كان المحكى الوحي أو اللّفظ الآخر فنقول لفظ اسجدوا الواقع في الحكاية للبشر المراد منه الوجوب كما يستفاد من القرائن المنفصلة عن الخطابات فإذا كان المراد الوجوب فامّا فهم البشر المخاطب به الوجوب أو النّدب أو الاشتراك اللفظي والمعنوي فان فهموا الوجوب فالمط ثابت والا لزم الخطاب بما له ظ وإرادة خلاف ظاهره بلا قرينة وهو قبيح للزوم تأخير البيان عن وقت الحاجة وآية ما منعك ان لا تسجد إذ أمرتك منفصلة عن قوله تعالى اسجدوا فثبت كون اسجدوا بنفسه مفيدا للوجوب ويمكن الايراد بوجه آخر وهو ان الثابت من الآية كون الامر في عرف الملائكة للوجوب لا في عرف البشر الذي هو المقصود لا يقال الأصل اتحاد العرفين لأنا نقول المراد من الأصل إن كان هو أصل عدم تعدد الوضع فلا يجرى لان الواضع للسان البشر والملائكة معا إن كان هو اللّه تعالى فلا يعقل للأصل المذكور معنى الّا اصالة عدم الحادث ولا وجه له لأنه صدر من اللّه تعالى شيء قطعا بالنسبة إلى البشر بعد وضعه تعالى الالفاظ للملائكة ولكن شككنا في انه وضع آخر للبشر أم اخبار إياهم بالوضع الحاصل للملائكة فيكون الشك في الحادث وإن كان الواضع للملائكة هو اللّه وللبشر هو البشر فصدور الوضع قطعي والشك انّما هو في الموضوع له فالشّك أيضا في الحادث فلا يجرى
--> ( 1 ) بفرد